أفد و استفد Afid wa Istafid

حللت أهلا ووطئت سهلا يا زائرنا الكريم. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا.

إن لم يكن لديك حساب بعد، نتشرف بدعوتك لإنشائه بالضغط على زر التسجيل

قراءة و تحميل روايات رجل المستحيل كاملة أونلاين
قراءة و تحميل روايات ملف المستقبل كاملة أونلاين
قراءة و تحميل روايات ما وراء الطبيعة كاملة أونلاين

منتدى الثقافة، التعلم و الترفيه Forum de culture, apprentissage et divertissement


مواقع ننصح بزيارتها A visiter







إميلشيل... مدينة الخطوبة الجماعية في المغرب

شاطر
avatar
zanoubia
» أفـيـدي(ة) نشيط(ة) «


الجنس : انثى
من برج : الاسد
عدد الرسائل : 204
نقاط : 3842
تاريخ التسجيل : 07/07/2007

بطاقة الشخصية
مزاجي:
التميز:
منتداك المفضل:

default إميلشيل... مدينة الخطوبة الجماعية في المغرب

مُساهمة  zanoubia في الإثنين 07 أبريل 2008, 19:50

سحر وفلكلور وأغاني حب


منذ زيارتي الأولى للمملكة المغربية عام 1972 إبان تصوير فيلم (الرسالة) في إحدى قرى عمالة (محافظة) مراكش: المترعة بالأسطورة والسحر, والتاريخ والعراقة والأصالة والفروسية, وكل الصفات والمناقب والقيم, التي تميزها عن غيرها من مدن العالم, أقول منذ ذلك الزمن, لاحظت احتفاء الإخوة المغاربة الشديد بالمواسم. وقد تزامن حضورنا لمدينة مراكش آنذاك احتفاء البلاد والعباد بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكنت في تلك الزيارة بمعية نفر طيب من الزملاء الأصدقاء الإعلاميين (عبدالعزيز جعفر وكيل وزارة الإعلام لشئون الإذاعة, عبدالرحمن الحوطي وكيل وزارةالإعلام للشئون الهندسية بالكويت, والشيخ عيسى بن محمد الخليفة وكيل وزارة الإعلام بالبحرين والدكتور عبدالعزيز محمد المنصور ومحمد ناصر السنعوسي وكيل وزارة الإعلام لتلفزيون الكويت), الذي تفضل بدعوتنا لمشاهدة تصوير الفيلم بصفته رئيس مجلس إدارةالشركة المنتجة للفيلم.

ففي الصباح, فوجئنا بمدينة مراكش تعيش عيداً سعيداً, يرفل فيه الأطفال بجلابيبهم الجديدة البيضاء, وتتهدج المساجد بالأدعية والأذكار, وتغرد الإذاعات الوطنية والجهوية بالأناشيد والموشحات, وفنون (الملحون) والأغاني الشعبية المكرسة للاحتفاء بالمناسبات الشريفة.

لقد كان عيداً بحق يلبس فيه الجميع الملابس البهية الجديدة, ويطعمون الحلوى الخاصة بالاحتفالية, فضلاً عن (الكسكسي) الطافح بالخضار ولحم الدجاج, والشاي الأخضر المعطر بالنعناع, واللبن والتمر وشراب اللوز.. وغير ذلك من عادات وطقوس احتفالية روحية ودنيوية يتزاوج فيهما الدين بالدنيا بأبهى تجلياته ويخلف في الوجدان آثاراً حميدة شجية لا تنسى أبداً.

لا بد من إميلشيل ولو طال السفر!

من يومها عرفت أن المغرب هي أم المواسم والموالد وأولياء الله الصالحين! حسبك أن تعرف أن عدد المواسم يعد بالمئات!

وحين كنت أعمل مستشاراً إعلاميا عام 1978 بسفارتنا في العاصمةالمغربية (الرباط), سمعت عن (موسم إميلشيل للخطوبة) للمرة الأولى. فقد شاهدت في التلفزة المغربية: فيلماً وثائقياً يتمحور حول الموسم, أذكر أنه أثار دهشتي وإعجابي وفضولي ورغبتي في التعرف عليه عن كثب!

ومن حسن حظي - آنذاك - أن رئيس البعثة الدبلوماسية الكويتية كان هوالسفير الفنان الأستاذ (حمد عيسى الرجيب) - رحمه الله وغفر له - وكان سفيراًاجتماعياً شعبياً تجده حاضراً في جل الأنشطة الثقافية والفنية وغيرهما. كما كانمنزله في حي السويسي الأرستقراطي الجميل بالرباط صالوناً أدبياً مشرع الأبواب خمس ليال في الأسبوع, طوال السنة, كما كان هذا دأبه حينما كان سفيرا لدولة الكويت في قاهرة المعز. وفي صالون (أبي خالد): تعرفت على المهرجان المذكور, من خلال الأدباء والفنانين المغاربة الذين يرتادون الصالون الأدبي, وتربطهم بسعادة السفير علاقة ود حميمة.

وحين انفض سامر الصالون وجدته يقول لي: لا بد من (إميلشيل) ولو طال السفر! سنكون هناك في موسمها المقبل في سبتمبر 1978. إلا أن سعادة السفير - لسوءالحظ - غادر المملكة المغربية قبل موعد الموسم, ليتم تعيينه - فيما بعد - وزيراًللشئون الاجتماعية والعمل إذا لم تخني الذاكرة الهرمة! لكنه حين لاحظ شدة اهتمامي بحضور الموسم المذكور, وعدني بأنه سيكون في المغرب يوم تاريخ عقده, لأحضره بمعيته لكن الظروف لم تمكنه من ذلك. ومن سنتها وأنا أبحث عن صديق عربي خليجي يشاركني الاهتمام بهذا النوع من السياحة! إن قرية إميلشيل تابعة لإقليم (الرشيدية) الذي يبعد عن العاصمة المغربية أزيد من ألف كيلومتر, والسائح العربي الخليجي: لا يحب الحركة والمغامرة والاكتشاف والترحال والسياحة في أرض الله وعباده! فتراه علىالدوام (رابضا) في النزل, أو المنتجع السياحي الذي يقطنه لا يبرحه البتة! اللهم إلا للسباحة في (البيسين) الذي يسمونه حمام السباحة, أو يعوم في البحر, إن كان ثمة بحر. ودائما وأبداً يتربع في المقاهي والمرابع الليلية فقط لا غير! وكاتب السطور - فيهذا السياق - لا يبرئ نفسه البتة!!

ولو فعل ذلك لما استحق شهادة الجنسية الكويتية!!

الشاهد أني لم أحضر موسم الخطوبة الشهير إلا في صيف 2001 شهر سبتمبر. ولأني جنوبي الهوى فقد اخترت الذهاب إلى الموسم جنوبا من الدار البيضاء (كازابلانكا) أو (كازا) حاف كما يسميها الإخوة المغاربة, أو إن شئت (كازاماذا) كمايحلو لي نعتها! ولا تسألني لماذا?! وهكذا تحركنا من (كازا) الى مراكش عاصمة الجنوب. ومنها إلى مدينة ورزازات.. حتى الرشيدية. إن منطقة إميلشيل تقع في أحضان جبال الأطلس والطريق ابتداء من مدينة ورزازات جبلي شديد الوعورة والارتفاع والأكواع, والمنحنيات والمنحدرات الشديدة الخطورة, التي تحتاج إلى سائق ماهر يملك عين الصقر, وجسارة الأسد, وصبر الجمل. فضلاً عن أن الطريق لا تنفع معه سوى سيارة الجيب القادرةعلى طي الجبال (كجلمود صخر حطه السيل من عل).

والطريق مترع بالجمال والسحر والتنوع, فتارة تكون في صحراء يباب جرداء ليس فيها سوى الحصى, وبعد حين تجد نفسك وسط سهول خضراء مزروعة بالليمون والبرتقال والزيتون والتمور, وتارة ثالثة تجد نفسك في أعالي الجبال على ارتفاع يزيد على الألفي متر تحيط بك أشجار الصنوبر وشجيرات العرعر بينما جموع القردة تتقافز هناوهناك لاهية عابثة غير عابئة بأحد.

المرأة الأمازيغية

والمغاربة شعب حضاري محب للبيئة والطبيعة والمخلوقات التي تشاركه الحياة فيها. ومن هنا تجد أن جل طيور الشمال الأوربي, تلوذ بالمغرب إبان الشتاء, تسكنه بطمأنينة وأمان, كما أن الصيد هناك مقنن, وليس مشاعا كما هو حاله في المشرق العربي! الأمر الذي أدى إلى القضاء على كل الطيور والحيوانات التي كانت تسرح وتمرح في صحارى مصر وليبيا والسودان وشبه الجزيرة العربية, التي لم يبق فيها الآن سوى الخنافس والجعلان فقط لا غير!

صحيح أن هناك ردة صحية لإيجاد محميات طبيعية عامرة بالطيوروالحيوانات, التي كانت حاضرة في المشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين, لكن البلية تكمن في ذلك النفر من القنّاصة الذين يحبون الرمي والقتل والقنص حبا فيقتل مخلوقات الله الحيوانية بمزاجية لا يغبطون عليها!

وليس جمال الطبيعة الفتّان - وحده - هو الذي يلفت نظر المسافر عبرجبال الأطلس الأعلى بل الأجمل منه الإنسان الأمازيغي او (البربري), كما ينعته الغربيون الأوربيون. والبربري تسمية شائعة خاطئة, لأن اسمه الحقيقي هو: الأمازيغيوالشعب هو: الأمازيغ, والأمازيغي - بالمناسبة - تعني الإنسان الحر.

وحين أتحدث عن إعجابي ودهشتي بالإنسان الأمازيغي, فإني أعني بالتحديدالمرأة الأمازيغية, فقد وجدتها ترعى شئون البيت, وتربي العيال, وتفلح وتزرع وتحصد, وتحمل المحصول على كاهلها, وترعى المواشي وتحلب البقر والنياق, وتبيع الغلة على الطرقات وبمعيتها عيالها الصغار! ويبدو لي أن الرجل الأمازيغي مكرّس وقته للحربوالحب.. حب خلفة الذراري من البنين والبنات!

ولعله من فضول القول التنويه بأني طوال الطريق الذي زاد على الألف كيلومتر, لم أجد سياحاً عرباً يوحدون الله سبحانه, فكل السيّاح من الأجانب, ولن أذكر الزوار المغاربة, لكون حضورهم من تحصيل الحاصل, ولا يستوجب الإشارة والتنويه.

ومن هنا كان حضوري مثار دهشة و(فرجة) النظارة من الإخوة المغاربة, وجموع السيّاح على حد سواء! سيما أني كنت ألبس الزي العربي الخليجي, الذي باتمعروفا للعامة والخاصة على حد سواء.

موسم الخطوبة

يعد موسم (إميلشيل) للخطوبة الذي تقيمه عمالة (محافظة) (الرشيدية) من 19 إلى 21 سبتمبر قبلة الزّوار والسيّاح الأجانب (غير العرب) والمغاربة, فضلا عن الباحثين في الفلكلور والأنثروبولوجيا وغيرهما, نظراً لما تنطوي عليه هذه التظاهرةالشعبية, التي لا مثيل لها في العالم, من طابع أسطوري معجون بالخيال الشعبي لسكان قبائل (آيت حديدو) القابعة في جبال الأطلس على علو 2000 متر.

يجتمعون في هذه الفترة من السنة المتزامنة مع موسم الحصاد لتخليد أسطورة بحيرتي ( إيسلي ) و(تيسليت) وتعني بالأمازيغية: الخطيب والخطيبة. والأسطورة تتحدث عن حكاية ولد وبنت أحب كل منهماالآخر حباً جماً, لكنهما - لسوء حظهما - ينتميان إلى قبيلتين متعاديتين, لذا كان من البدهي أن جوبه حبهما بالرفض وعدم السماح لهما بتتويجه بالزواج, الأمر الذي أدىبهما إلى البكاء المترع بالدموع الغزيرة المدرارة. فكوّنت دموعهما كلاً من بحيرتي ( إيسلي ) و(تيسليت). وأسطورة العاشقين باتت فيالمخيال الشعبي ترمز إلى التحرر واستقلالية اتخاذ القرار بين سكان القبيلة. وهذه الحرية ليست مطلقة بل إنها مرهونة بموافقة ذوي الخطيبين.

والموسم في المملكة المغربية يضاهي المولد في مصر المحروسة. وأظن أن الأخيرة ورثت الموالد من المغرب. سيما أن جل الأولياء الموجودين في مصر هم من المغاربة! ومهما يكن الأمر فإن المملكة المغربية تعد بحق أم المواسم! فكل عمالة وحاضرة ومدينة وقرية لها موسمها الخاص! بحيث يمكن لنا القول إن هناك المئات من المواسم التي تقام على مدار السنة في طول المملكة المغربية وعرضها!

والموسم في المغرب له معان شتى: فهو يحوي السوق والمولد - أي الاحتفاء بميلاد أحد أولياء الله الصالحين - فضلاً عن كونه المعرض والمهرجان والعرس. وتتضافرهذه الفعاليات لتخلق فضاءً فريداً تمتزج فيه الأسطورة بالخيال بالتراث الشعبي والعادات الاجتماعية القبلية المغرقة في القدم.
يتبــــــــــع................
avatar
Jorjina
» أفـيـدي(ة) نشيط(ة) «


الجنس : انثى
من برج : الاسد
عدد الرسائل : 144
Localisation : عاشقة ريال مدريد
نقاط : 3633
تاريخ التسجيل : 19/11/2007

بطاقة الشخصية
مزاجي: نشيط نشيط
التميز: -
منتداك المفضل: الرياضة

default رد: إميلشيل... مدينة الخطوبة الجماعية في المغرب

مُساهمة  Jorjina في الجمعة 11 أبريل 2008, 16:42

fl3



السلام عليكم


بنات المنتدى يالله بنا على إميلشيل ههههه شكرا لك اختي زنوبيا على الموضوع الجميل انا اللي كيثير كنت احضرت مرة لموسم الخطوبة وعجبني بزاااااااااااااااااااااف




avatar
zanoubia
» أفـيـدي(ة) نشيط(ة) «


الجنس : انثى
من برج : الاسد
عدد الرسائل : 204
نقاط : 3842
تاريخ التسجيل : 07/07/2007

بطاقة الشخصية
مزاجي:
التميز:
منتداك المفضل:

default الجزء الثاني ....

مُساهمة  zanoubia في السبت 12 أبريل 2008, 21:30

إن القاعدة الأساسية التي يتكئ عليها زواج عرسان أبناء قبيلة (آيتحديدو) في (إميلشيل) بإقليم (الرشيدية) هي اخطف عروسك ومن ثم تزوجها فإن لم تفعل ذلك فأنت يا حضرة البعل المبجل لا تستأهلها!

وهذه الرواية أحكيها على ذمة أحد مشايخ القبيلة. أقول ذلك لكون الخطف إبان الموسم يتم بصورة احتفالية (درامية) تمثيلية تحاكي الخطف الذي كان سائداً في الأيام الخوالي من غابر الزمان.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض أبناء القبيلة غير راضين لأن يكون تراثهم وتقاليدهم فرجة احتفالية للسياح والزوّار! لكن هذا الموقف لم يؤثر على حضور الموسم وشهرته واستمراره كل سنة منذ عام 1965 متواصلة حتى الآن.

وحين يشاهد المرء طقوس موسم الخطوبة يختلط عليه الأمر.. بحيث لا يدرك - لأول وهلة - الفرق بين الحقيقة والخيال, أو الأسطورة والواقع الذي يدب على الأرض!

في الصباح الباكر, بعد شروق الشمس بساعة, يهرع أبناء قبائل (آيتحديدو) إلى التجمع في ساحة الاحتفال وميدان الموسم. فها هي الخيام المغربية الكبيرةالمساحة والحجم: منصوبة متراصة على شكل دائرة, تزنر الفضاء الاحتفالي بسحر وبهاء, والموسم في المغرب - في العموم - يتسم بطابع تجاري تسويقي واجتماعي وديني روحاني. فعادة يتزامن عقده إثر موسم الحصاد, في بداية الخريف, حيث يتمكن القوم من شراء لوازمهم وحاجاتهم الحياتية لمدة سنة كاملة تقريبا.

فمنطقة إميلشيل تقع في حضن جبال الأطلس الأعلى حيث الشتاء طويل: شديد القر والبرد غزير الثلج والأمطار. ومن هنا: فإن البيات الشتوي يحتاج إلى مئونة تقيم الأود, وتقيه القر وتمنحه الدفء, وكل حاجاته الضرورية.

إن المحور الأساسي لموسم الخطوبة في إميلشيل - كما أسلفت - يتكئ على أسطورة موغلة في عمق التاريخ. وهي تتحدث عن شابين من قبيلتين مختلفتين شغف كل منهما حبا بالآخر.

الشاب اسمه (موحا) وحبيبته اسمها (حاده), وقد حالت التقاليد دون أنيتوج حبهما بالزواج, لذا لم يكن بأيديهما من حيلة سوى ندب سوء حظهما, فانتحيا ركناًقصياً, وشرعا في البكاء المر, فهطلت عيونهما بالدموع الغزيرة التي كونت - كما تقول الأسطورة - بحيرتي إيسلي : أي العريس. وتسليت: أي العروس وأصبحت بحيرتا ( إيسلي وتسليت) محجا للعشاق, ومزاراً للمحبين, وكعبة للراغبين في الزواج من دون عقبات ومعوقات!

فما دام الولي الصالح (سيدي أحمد أومغاني) قد بارك حب الشابين (موحاوحاده) فقد صار في مقدور كل وليفين حبيبين الزواج على سنة الله ورسوله.

إن الراغبين في الزواج يتعارف كل منهما على الآخر - بطبيعة الحال - قبل الموسم. ويتم عقد قرانهما في الموسم ذاته, حيث يوجد كتّاب العدل الذين يقومون بإجراءات عقد القران شفاهة وكتابة, وفق التقاليد الإسلامية المألوفة في كل بلادالمسلمين.

وفي وقت الضحى يزدحم فضاء (إميلشيل) بفرسان القبائل الممتطين خيولهم المزينة بالسروج البهية, وتتوافد النسوة مثنى وثلاثا ورباعا وهن يرفلن بملابسهن التقليدية الزاهية, ولا يبرز من العروس منهن سوى عينيها. لأنها تكون ملثمة! ويتحلين بالحلي والقلائد والأقراط المصنعة محلياً بواسطة صناع الحلي و(مجوهرات) الصناعةالتقليدية المصنوعة غالبا من الفضة.

إن الأزياء تلعب دوراً احتفاليا سحرياً في تمييز العروس العذراء عن غيرها من النساء المطلقات والأرامل الراغبات في الزواج ثانية.

إن عروس موسم إميلشيل (بنت قبيلة آيت حديدو) تعنى عناية شديدة بالتزويق (الذي ينعت بالماكياج بالعربي غير الفصيح) فتجدها تضع الكحل في عينيهاالساحرتين وتطرز خدها بنقاط حمراء بدعوى أن اللون الأحمر - وفق اعتقادها - يدرأ عنها الحسد والشر. أما اللون الأصفر فتضعه حول الحاجبين ليبرز جمالها ورقتها. ولاتنسى تزيين أذنيها بالأقراط كبيرة الحجم, وتتقلد على صدرها قلادات مرصعة بالأحجارالصفراء والحمراء المضاهية لمعدن (الكهرب) الذي تصنع منه المسبحة.

والعرس يوجب على الجمع القبلي ارتداء الملابس التقليدية الجديدة - غالبا - والنظيفة على الدوام. فالشيّاب الرجال يعتمرون العمامة الأمازيغية التيعادة ما تكون من القماش الفاخر, ويرتدون الجلابيب والبرانس الضاوية بالألوان الخضراء والبنية البهية.

وفي داخل الخيام وخارجها تباع الصناعات التقليدية الخاصة بالإقليم نفسه, والأقاليم المجاورة له: فتجد الزرابي مبثوثة على الأرض في كل مكان, ويتعالى ثغاء الخراف والماعز وكل الأصوات المميزة للبقر والجمال والأحصنة والبغال والحميروالكلاب والدواجن.

وتشرع النسوة منذ الصباح الباكر في طبخ وتطييب (الطواجن) و(الكسكسي), بينما الفرق الموسيقية الفلكلورية تهزج بالأغاني الموقعة على إيقاع (البندير) والدفوف والطيران والربابة المغربية صغيرة الحجم ذات الدويّ الذي لا يتناسب معحجمها! والفرق الفلكلورية الغنائية الراقصة تحضر من المدن والقبائل المقيمة في جبال الأطلس وما جاورها, يقودها ذلك الشيخ الأمازيغي المترع بالفروسية والحيوية والرشاقة, والملقب في أوساط المواسم والمهرجانات التراثية الفلكلورية بلقب (المايسترو)! وهو حاضر فيها على الدوام, ويتمتع بجماهيرية وجاذبية و(كاريزما) شخصية, تمكنه من النفاذ إلى قلوب المشاهدين من دون استئذان! وفي موسم إميلشيل الذي نحن بصدده: كدت أن أسرق الكاميرا - كما يقولون بلغة السينما - من حضرة (المايسترو) بجلالة قدره, وعظمة فنه وشدة حضوره. والسبب يكمن في الزي العربي الخليجي الذي كنت أرتديه بينما كنت أصور المشاهد الاحتفالية بالكاميرا التي كانت بحوزتي. فقد صوّب السياح كاميراتهم نحوي لتصويري لغرابة زيي!

لكن (المايسترو) استطاع إعادة الاهتمام برقصه وإيقاعه وحضوره الجذاب في ساحة الرقص والغناء الفلكلوري, كما هو دأبه دوما في كل مهرجان وموسم.

وتجدر الإشارة إلى أن بحيرة ( إيسلي ) تقع على بعد ستة كيلومترات من منطقة إميلشيل, ويصل عمقها إلى 37 متراً, بينما تبعدعنها بحيرة (تسليت) باثنى عشر كيلومتراً, وعمقها يصل إلى 86 متراً. ونظراً للفضاءالطبيعي الجميل الذي يحيط بكل منهما, فقد أصبحتا منتجعين سياحيين يزورهما السياح منشتى الأقاليم المغربية, وكل أقطار العالم التي اعتاد مواطنوها السياحة في المغرب.

الأسطورة والحقيقة!

والحق أن زائر الموسم: يخال نفسه يشهد شريطا سينمائيا ذا (سيناريو) درامي تختلط فيه الأسطورة بالعادات واحتفالية الترويج السياحي الذي يعد بمنزلة (البزار والبهارات) التي تجذب السياح - كل سنة - لمشاهدة الموسم والاستمتاع به.

إن المشهد الأول في سيناريو الفيلم المتخيل ينطوي على قاعدة (اخطف العروس تنلها) فإذا لم يتمكن العريس من إتمام عملية الخطف فإنه لا يستأهل العروس البتة! وتجدر الإشارة هنا: إلى أن عملية الخطف حالياً, يكون متفقا عليها بين عائلتي العروسين, بعكس الأزمان الغابرة: حين كان الخطف حقيقيا! وهكذا تقول أسطورة الزواج العشائري.

وعلى الرغم من مسحة الترويج السياحي التي تصبغ الطقوس الاحتفالية للموسم, فإن أحد أبناء المنطقة العارفين بالموروث الحضاري للزواج في إميلشيل يشيرإلى أهمية المشاعر السامية لمجموعة قبائل (أو ملان) والتي تعني بالعربية الناس الذين يوفرون الأمان.

ويجدر التنويه إلى أن غطاء رأس المرأة المتزوجة يكون مخروطيا إلى أعلى, في حين يكون غطاء المرأة العزباء أفقيا وحينما تخرج العروسمن بيت ذويها, وتحين ليلة دخلتها يحيط بها أبناء عمومتها الأشدّاء, وقد (تسلحوا) بجريد النخيل الذي سوف يضرب به البعل المسكين مدة من الزمن, إلى حين تمكنه من الإمساك بلجام البغلة التي تمتطيها عروسه! إن مغزى هذه العملية المبرّحة هو التدليل على رباطة جأش العريس وشجاعته, وصبره على تحمل المشاق, وعلى قدرته على القيام بحماية زوجه من عاديات الزمن وخطوبه!

وإثر إتمام عقد القران: يتقاسم العروسان وأسرتاهما رغيف خبز كبيراتتجاوز مساحته المتر المربع, دلالة على الارتباط المقدس بين الأسرتين المتصاهرتين. أي أن يكون بينهما (عيش وملح) وفق قول وتقاليد عرب المشرق.

وتتوالى مشاهد سيناريو الموسم وتتراءى مثل الفيلم الرومانسي, حيث يتوجب على العروس الاستحمام بثياب زفافها في مياه بحيرتي ( إيسليوتسليت) جهاراً نهاراً, وعلى رؤوس الأشهاد ومرأى كل الناس الموجودين في فضاء المشهد!

ولا شك في أن السياح الأجانب مفتونون بهذا المشهد الرومانسي, وغيره منالمشاهد التي غابت عن حياتهم اليومية المادية. وكم تثيرهم الملابس الوطنية التقليدية العريقة المحافظة على أصالتها وحضورها في الحياة الاجتماعية رغم تقادم السنين والحقب والأزمان: فالملابس بهية بشكلها وألوانها المزركشة, والحلي المصنوعة من العقيق والأصداف والفضة تزنر الأعناق والمعاصم والصدور والنحور والأقدام.

والمواسم - أي موسم في المغرب - هو عرس واحتفال وسوق تجاري وغناء ورقص فلكلوري.

يضاف إلى هذه المشاهد: مشهد العريس بزيه الأبيض, وفرسه المطهم, ليضفي على فضاء الموسم: نفحة أسطورية مفعمة بالسحر والفرح والرومانسية: التي تدغدغ مشاعرالصبايا الوافدات المنتظرات لعرسان المستقبل.

وتذكر الباحثة (خديجة عزيز) في بحت لها عن موسم الخطوبة في إميلشيل (مجلة الصحراء العدد 4613 الصادر في 6 سبتمبر 2001), (أن منطقة إميلشيل وجدت في الأطلس الكبير لتكون رائدة الانفتاح نحو العالم, ويعود ذلك إلى كونها تتمتع بموقع استراتيجي أهلها لاحتضان بساط تطبيق الحبوب). وتشير الباحثة في موقع آخر من مبحثهاإلى (أن موسم الخطوبة يعد قبلة لكل من يأخذه الحنين لقيم الحب النبيلة).

فالحب عند هؤلاء له توأم لا يكاد يفارقه اسمه الفضيلة: هاته الأخيرةالتي بها يكتمل الحب, ومن خلالها ينمو ويكبر, وينشر الرحمة والتسامح, تلك القيم النبيلة - إذا صح التعبير - تكاد تفقدها بعض المجتمعات المعاصرة.

يتبــــــــــــــــع.......

    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 13:59